الغزالي

206

إحياء علوم الدين

أما الأخروى فهو الإخراج من النار ، ومنع التخليد ، إذ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] : « يخرج من النّار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان » وقد اختلفوا في أن هذا الحكم على ما ذا يترتب ، وعبروا عنه بأن الايمان ما ذا هو ؟ فمن قائل : إنه مجرد العقد ، ومن قائل يقول : إنه عقد بالقلب وشهادة اللسان ، ومن قائل : يزيد ثالثا وهو العمل بالأركان ونحن نكشف الغطاء عنه ونقول : من جمع بين هذه الثلاثة فلا خلاف في أن مستقره الجنة : وهذه درجة والدرجة الثانية : أن يوجد اثنان وبعض الثالث ، وهو القول والعقد وبعض الأعمال ، ولكن ارتكب صاحبه كبيرة أو بعض الكبائر ، فعند هذا قالت المعتزلة : خرج بهذا عن الإيمان ولم يدخل في الكفر ، بل اسمه فاسق ، وهو على منزلة بين المنزلتين ، وهو مخلد في النار وهذا باطل كما سنذكره الدرجة الثالثة : أن يوجد التصديق بالقلب والشهادة باللسان دون الأعمال بالجوارح . وقد اختلفوا في حكمه ، فقال أبو طالب المكي : العمل بالجوارح من الايمان ولا يتم دونه ، وادعى الإجماع فيه ، واستدل بأدلة تشعر بنقيض غرضه ، كقوله تعالى : * ( الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) * إذ هذا يدل على أن العمل وراء الايمان لا من نفس الايمان ، وإلا يكون العمل في حكم المعاد . والعجب أنه ادعى الإجماع في هذا ، وهو مع ذلك ينقل قوله صلَّى الله عليه وسلم : [ 2 ] « لا يكفر إلَّا بعد جحوده لما أقرّ به » وينكر على المعتزلة قولهم بالتخليد في النار بسبب الكبائر . والقائل بهذا قائل بنفس مذهب المعتزلة إذ يقال له : من صدق بقلبه وشهد بلسانه ومات في الحال فهل هو في الجنة : فلا بد أن يقول نعم ، وفيه حكم بوجود الايمان دون العمل ، فنزيد ونقول : لو بقي حيا حتى دخل عليه وقت صلاة واحدة فتركها ثم مات ، أو زنى ثم مات